عبد القاهر الجرجاني

308

دلائل الإعجاز في علم المعاني

أصناف الحلي بأنفسهما ، ولكن بما يحدث فيهما من الصّورة ، كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف ، وكلاما وشعرا ، من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخّي معاني النحو وأحكامه . فإذن ليس لمن يتصدّى لما ذكرنا ، من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منها لفظة في معناها ، إلا أن يستركّ عقله ، ويستخفّ ، ويعدّ معدّ الذي حكي أنه قال : " إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسّان ، قال حسّان : [ من الكامل ] يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ، * لا يسألون عن السّواد المقبل " 1 " وقلت : يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم * أبدا ولا يسلون من ذا المقبل فقيل : هو بيت حسّان ، ولكنّك قد أفسدته . واعلم أنه إنما أتي القوم من قلّة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في اختلاف العبارتين على المعنى الواحد ، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر ، وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد ، وفي الأشعار التي دوّنوها في هذا المعنى . ولو أنّهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب ، وتدبّروا ما فيها حقّ التدبّر ، لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم ، وكشف الغطاء عن أعينهم . وقد أردت أن أكتب جملة من الشّعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في معنى واحد ، وهو ينقسم قسمين : قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا ، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب . وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصوّر . وأبدا بالقسم الأول الّذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا ، وفي الآخر مصوّرا

--> ( 1 ) البيت له في ديوانه ( ص 140 ) ، وفي التبيان للطيبي ( ص 329 ) ، وخزانة الأدب ( 2 / 412 ) ، والدرر ( 4 / 76 ) ، وشرح أبيات سيبويه ( 1 / 69 ) ، وشرح شواهد المغني ( 1 / 378 ) ، ومغني اللبيب ( 1 / 129 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 9 ) ، وتاج العروس ( جبن ) ، وبلا نسبة في شرح الأشموني ( 3 / 562 ) . يقول : قد أنست كلابهم بكثرة من يأتيهم ، فلا تهر على أحد أي : أن منازلهم لا تخلو من الطراق والعفاة ، حتى تعودت كلابهم أن ترى من يقصد منازلهم . لا يسألون عن السواد المقبل : أي : أنهم في سعة لا يبالون من نزل بهم من الناس ولا يهمهم الجمع الكثير ، وهو السواد ، إذا قصدوا إليهم .